تعليق صحيفة صوت الجالية العربية:
تاريخ الحركة الإسلامية في السودان بقلم امين حسن عمر، يشخص بل يشرح شخصية جعفر شيخ ادريس مقابل شخصية الترابي. وفيها يستعرض الكثير من الحقائق التي تعتبر حقا مرجعا لمن يود أن يعرف الخطوط الرئيسية للحركة الإسلامية في السودان بشكل مختصر.
لكن الغريب أن معظم تلاميذ الشيخ الترابي لم يلحظوا بل لم يفهموا قضية جوهرية في فكر شيخهم، حتى امين حسن عمر الذي لا يرى في صورة ذاته سوى الذات المفكرة فشل في فهمه، وكان لصيقا بالترابي كمدير مكتبه، لذا أتهم الشيخ الترابي خطأ بأنه يلتهم أبنائه وكأنه شره للسلطة. فما هي هذه المسألة الجوهرية؟ ودليلنا لعدم فهمهم للشيخ، أن معظم تلاميذ الترابي يصفون أنفسهم بالأخوان، وهذا فهم قاصر وفاضح. رغم أن شيخهم لا ينتمي لخط حسن البنا، فمثلا أمين حسن عمر يحرص عند ذكر إسم حسن البنا أن يردف قوله برحمة الله عليه! نعم الرحمة للجميع، ولكن لا نجدهم عند ذكرهم للأفغاني يقولون...رحمة الله عليه، رغم أن ما فعله الأفغاني يفوق ما فعله البنا عند مقارعة الرجال..لكن البنا تفوق عليه بحصوله على التمويل! فكيف نشأ هذا الإحترام لحسن البنا؟ وكيف نشأ الخلط أو عدم الفهم، وكيف يتسنى لأمين حسن عمر في مناقشته لجعفر شيخ ادريس أن يدعي فهمه للشيخ بشكل افضل!!
ففي 1979 فصل الدكتور الترابي عصام البشير وصادق عبد الله عبد الماجد من الحزب لذا تجدهما يحقدان على شخص الترابي بشدة، ومن يفهم أبجديات دينه لا يعجز عن فهم هذا الفصل، ولعل ظاهر الأمر أن الفصل هو بلحاظ المسائل التنظيمية، فهذا غير صحيح، وبما أنني رأيت عصام وسمعته سنأخذه كمثال، فهو يحفظ ويردد كتب التراث الإسلامي بغباء ودون أن يدري يلعب دور ال publicity machine للسلفيين، ورغم إدعائه أن الفقه هو الفهم، فهو أبعد من فهم حقيقة دينه، وبذلك أسقطه الترابي بل ربما رأى فيه شخصا مؤذيا على حركته التجديدية. ولقد لخص المحامي محمد علي المتوكل الترابي في كلمات لم يلحظها كافة تلاميذه، وهي مفتاح فهم فكر الترابي ومنهجه، قد يكون البروفيسور حسن مكي لقط الإشارات من شيخه، ولكنه نفسه تهرب منها ودليلنا هي قصتة مع حادثة حديثه عن عثمان بن عفان. فماذا قال المحامي المتوكل: وفيما بعد رأى بقية الأخوة الاستجابة لمناشدات الداعين للقاء مع الدكتور الترابي، وتم اللقاء وفيه بدا الدكتور معترضا على ما اتخذ ضدنا من إجراءات حركية من قبل المسؤولين بالجامعة، كما أبدى تفهماً لمواقفنا الفكرية والعقائدية مؤكداً أن الحركة الإسلامية إطار جامع ويتسع لجميع الانتماءات الفكرية والمذهبية طالما كانت صادرة عن الإسلام، كما أكد على رؤيته الخاصة (اللامذهبية في الإسلام) هذه الرؤية التي ما فتئ يرددها حتى الآن، معلناً أنه غير شيعي وغير سني، كما اتفق مع الاخوة على أكثر آرائهم في التاريخ، وقال أنه لا يرى وجود ما عرف بالخلافة الراشدة على هذه الإطلاق، وعن الصحابة قال أنه لا يؤمن بعدالتهم المطلقة مؤكداً تفاوتهم في درجات الإيمان بين مؤمن خلص إيمانه ومنافق مرد على النفاق، وقال إن من الصحابة من ولى الدبر في ميادين القتال بصورة لا يمكن أن تصدر اليوم عن شباب الحركة الإسلامية. هذه الكلمات هي مفتاح شخصية الترابي، وهي منهجيته، وهي التي وضعته في فوهة مدفع السلفيين الخليجيين، وأذنابهم الأخوان المسلمين - خط حسن البنا..وكل من أتسم بعدم الموهبة فتمسك بكراهيته للشيخ. نترككم لقراءة تاريخ الحركة الإسلامية السودانية.
|
|
كلما جاءت العطلة السنوية للدكتور جعفر شيخ إدريس إلي السودان ملأ المنابر بذكر الدكتور حسن الترابي بأسوأ ما يذكر به المسلم أخاه المسلم وما جلس أناس إلي مجلس لجعفر شيخ إدريس فغاب عنه اسم الدكتور الترابي مقرونا بالسوء من القول والافتراء والبهتان، وما تحدث الدكتور جعفر شيخ إدريس لصحيفة من الصحف إلا وكال للدكتور الترابي التهم جزافا بلا مكيال ولا معيار وأما الآخر فساكت صامت لا يجاريه ولا يرد عليه ويمد له حبالا من الصبر الجميل لو تعلقت فيه كل أغربه بورتسودان لوسعتها. لذلك فأن من المشروع ان يتساءل المرء ما قصة هذا الرجل وهذا الرجل وكيف تتقاطع سيرة الحياة بينهما وهذا ما سنفصله في هذا الكتاب: (قصة رجلين) ومصادر هذه القصة
مكتوبات ومرويات ومشهودات. فأما المكتوبات فكل ما كتب حتى اليوم وحُفظ من تاريخ الحركة الإسلامية بالسودان وأما المرويات فلقاءات وروايات لعشرات من الإسلاميين من المؤسسين للحركة الإسلامية الذين التقيناهم وسجلنا لهم علي فترات متباعدة من الزمان. منهم من التقيناه ونحن نعين الأخ حسن مكي محمد أحمد لإنجاز بحثه عن حركة الأخوان المسلمين بالسودان وكان ذلك في أواخر السبعينات وكنا ثلاثة (العبد المذنب) والأخ التجاني عبد القادر والأخ عبد المحمود الكرونكي واذكر من أولئك الأستاذ محمد يوسف محمد والأخ موسى ضرار وعبد الباقي عمر عطية ويس عمر الأمام وتوفيق طه وآخرين ثم جاءت الثمانينات مطالعها وكلفنا ببحث توثيقي لتاريخ الحركة الإسلامية فسجلنا ما يربو عن العشرين شريطا لأعضاء الحركة
الإسلامية منفردين ومجتمعين وكان ممن إِلتقينا بهم جماعة منهم مدثر عبد الرحيم وأحمد عوض الكريم وميرغني النصري وبابكر كرار وعثمان خالد مضوي وإبراهيم السنوسي وعباس حسن التوم ويوسف حسن سعيد وصلاح أبو النجا ومبارك قسم الله والتجاني أبو جديري (كان منظما.. لهذا الجهد ) وآخرين.
وأما المشهودات من مادة هذه الرواية فهي معايشات ومشهودات شخصية عبر اكثر من ربع قرن قضيته بين أيدي وبين ظهراني الحركة الإسلامية بالسودان كنت أبان ذلك لصيقاً بمؤسساتها القيادية وقيادتها التنظيمية والفكرية وكانت لي علاقة خاصة بالدكتور الترابي تأتت من عملي مديرا لمكتبه بالنائب العام وسكرتيرا خاصا له سائر اليوم لعامين علي الأقل فمصادر القصة إذا ما كُتب فقراته واستشهدت به وبنيت عليه ما سمعته من
أهل الثقة الذين لا يتهمون بقلة العناية أو الضبط ومن معايشتي الشخصية للأحداث والوقائع.
والقصة مدارها رجل استثنائي الحضور منذ كان طالبا في حنتوب الثانوية كان حافظاً للقرآن فقيها ضليعا بالعربية وهو لم يعد أن يكون حدثاً يافعاً وكان بارزاً مبرزاً باللغة الإنجليزية يتحدثها بطلاقة تدهش أقرانه وأخدانه وكان نابها في دروسه إلي درجة انه قفز للامتحان النهائي من الصف الثالث عندما كانت الصفوف الثانوية أربعة فكان مع ذلك من أوائل السودان كان هكذا قوي الحضور في الجامعة حدثني عنه المرحوم بابكر كرار في لقاء فقال: (كان الترابي أذكاهم عقلاً وأصفاهم نفساً) وكان هكذا قوي الحضور في بريطانيا مبعثا وفي فرنسا الفرانكفونية وهو الحديث القدوم من عالم الانجلوفونية وكان هكذا قوي الحضور
عندما جاء عميداً لكلية القانون وقائداً لانتفاضة اكتوبر ومنسقاً للتفاوض مع العسكر ومع الأحزاب وكان هكذا قوي الحضور وهو يعود لتلتف حوله القيادة الجماعية للحركة الإسلامية ليكون أمينا للجماعة وسكرتيراُ للجبهة ومؤسسا لكتلة برلمانية ناهضة وحائزاً علي أعلي الأصوات في قطاع المثقفين ولهذا القول المجمل تفصيله في مكانه من القصة.
وأما الرجل الآخر فلابد لك أن تذكر عشرة أو تزيد من مؤسسي الحركة السلامية أو قادتها حتى يرد اسمه ولكنه علي الرغم من تأخره في الصف فقد كان وعلي مدار الأيام هو الرجل الآخر ولكنه كان دائما الرجل خلف رجل آخر يحارب حرباً لا يكون المقدم فيها وأن كان دائماً المحرك والمحرض وهي حرب لا يُطفا أوارها ولا يذهب غبارها، لها في كل مرة عنوان فمرة هي حرب علي
تركز القيادة وحرص علي الجماعية ومرة هي حرص علي الأصالة الاخوانية ومرة هي حرص علي أولوية التربية وأخيرا هي حرص علي الإسلام من التجديد النصراني الكنسي.
والقصة محاولة للإجابة عن سر نار المجوس التي تشتعل في صدر ذلك الرجل.
وليس المقصود من القصة مجرد الإثارة الصحفية أو إمتاع القراء بل هي عبرة لاناس يتفكرون تحكي قصة الصراع الداخلي في الحركة الإسلامية من أيام تأسيسها الأولى ولا عجب أن تشهد الحركة الإسلامية اصطرعا داخلياً مرده إلي اختلاف التقديرات والأحكام أو مرده وهو الأغلب (في كل حركة) إلي النزاع حول حظوظ الأنفس في القيادة والظهور. وليس المقصود من رواية القصة التركيز علي السجال بين رجلين أحدهما قاد الحركة الإسلامية باستمرار منذ العام 1964م (علي الأقل)
وكان دائماً مؤثراً ونافذاً علي جميع الأصعدة فكرية وسياسية وتنظيمية وكان الآخر هو المحرك للمعارضة الداخلية للقيادة علي مر السنين استظهر بكل مخالف وكل ساخط وحانق ليعبئ حرباً علي الحركة الإسلامية من داخلها. ومثل هذه القصة يمكن ان تنتفع بها الحركات الإسلامية في فهم انساق الصراع الداخلي فقصة الصراع بين الأصوليين والوصوليين يمكن أن تتكرر في كل حركة تغيير اجتماعي ولذلك نكتب هذه القصة وهي في مجملها مخلص لتاريخ الحركة الإسلامية في السودان رؤية من الداخل. وربما كره بعض الإسلاميين ذلك اعتبروه نشراً لغسل علي الشرفات وربما كان ذلك كذلك لكن فلنسأل عن ذلك من بدأه مزيفاً وظالما كما ان الأمر لا يخلو من فائدة كما قدمنا ولكي لا تكون القصة خالية من التكامل بسبب التركيز علي حيثية
العلاقة الثنائية بين رجلين فحسب سنقوم بروايتها بجميع شخوصها الرئيسيين مع تركيز خاص علي ملابسات العلاقة بين الرجلين ولذلك فسترد عبرها بعض الأحداث والوقائع الجسام في تاريخ الحركة الإسلامية وبعض الشخوص الكبار من أمثال بابكر كرار والرشيد الطاهر ومحمد يوسف محمد ويس عمر الأمام وصادق عبد الله عبد الماجد ومحمد صالح عمر وآخرون ولعل ذلك يثير حواراً جديداً حول توثيق تاريخ الحركة الإسلامية في السودان وهي قمينة بما حركت من تغييرا اجتماعي وأسع أن يدون تاريخها وأن توثق أحداثه يحدث ذلك كله بعون الله والله غالب علي أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون..
الحرب والحرية
صمتت مدافع الحرب العالمية الثانية بعد أن شارك فيها أهل السودان مشاركة فاعلة ودفعوا فيها تضحيات جمة في الحرب
ضد الطليان في إريتريا والحرب في شمال أفريقيا ضد روميل وكان انتصار الحلفاء دافعاً لكثير من الأمم التي دفع بها في آتون الحرب للمطالبة بنصيب من النصر يتمثل في إعطائها حق تقرير مصيرها.. وكانت هذه هي الأجواء التي سادت في السودان في أوساط المتعلمين والمثقفين في خواتيم الأربعينات فمؤتمر الخريجين قد حرك أشواق الشباب للحرية كما أن مشاركة العسكريين السودانيين في صنع نصر الحلفاء كان دافعاً ومحركاً للمشاعر الوطنية في أوساط العسكرية. وفي هذه الأجواء تأسست الحركة الإسلامية السودانية في جامعة الخرطوم وفي المدارس الثانوية لا سيما حنتوب وخورطقت تأسست الحركة الإسلامية عملاً معارضاً للاستعمار وترياقاً مضاداً للشيوعية التي استشرت بين الطلاب وتمثلت في نبرة معادية للاستعمار ودعوة
للتحديث والتحرر الاجتماعي من التقاليد البالية والقيم الدينية العتيقة.. وكانت الحركة الشيوعية تعبر عن نهجها السياسي عبر الحركة المعادية للاستعمار وفي أوساط الطلاب عبر ما عرف آنذاك بمؤتمر الطلاب كما كانت تعبر عن نفسها اجتماعياً عبر سلوك مخالف للقيم السائدة وذلك بالسكر والعربدات الطليقة أو الفوضى الجنسية. ولئن كانت بعض تيارات الإسلاميين لا تخالف الشيوعيين في كراهية الاستعمار فان السلوك الإباحي للطالب الشيوعي كان يستفز تلك العناصر فلا تجد إجابة فكرية لدحض ما كان يعرف حينها بالتحرر الاجتماعي ولذلك نشأت الحركة الإسلامية أول ما نشأت جمعيات دينية تدعو للانضباط السلوكي ولكنها سرعان ما تطورت عندما برز في أوساط هؤلاء قيادي تنظيمي من الطراز الأول ومفكر جدير بالاحترام وكان
هذا الشاب النابه هو الأستاذ بابكر كرار المؤسس الذي يتفق السواد الأعظم من قدامي المحاربين أنه مؤسس حركة التحرير الإسلامي حيث كانت هي النواة الحقيقية للحركة الإسلامية السودانية..
العقل الكبير
كانت الحركة الإسلامية بحاجة إلي عقل كبير.. إلي محرض جرئ وكان المرحوم الأستاذ بابكر كرار هو ذلك العقل الكبير والمحرض الجريء , وكنت قد سمعت عنه مراراً وتكراراً عبر عشرات اللقاءات ونحن ندون بعضاً من تاريخ الحركة الإسلامية وعلي الرغم من اختلاف الرأي حوله إلا ان الجميع يقرون له بروح المبادرة والمبادة والمقدرة علي تحرير الأفكار والآراء ثم أنى التقيت بالرجل في حوار طويل فعرفت أن مثله قمين بتأسيس حركة تغيير اجتماعي كبري مثل الحركة الإسلامية السودانية فقد كان الرجل يتمتع
بعقل كبير وبحيوية مدهشة وحماسة لآرائه وأفكاره علي الرغم مما لاقي من نكسات في جهوده لتأسيس حركة إسلامية قومية المنطلق إسلامية المحتوي اشتراكية السياسة ومن خلال تعرفنا بالأستاذ بابكر كرار تعرفنا عن مصدرية بعض الملامح والقسمات التي ميزت الحركة الإسلامية السودانية علي الرغم من ابتعاد بابكر كرار عنها مبكراً فهذا الشعور القومي الفياض عن الإسلاميين السودانيين وعدم شعورهم بأن القومية تقف في الصف المقابل للإسلام كان سببه إن المؤسسين الأوائل وعلي رأسهم المرحوم بابكر كرار كانت تزدحم نفوسهم بالمشاعر القومية القوية وهنا يفسر موقف الحركة الإسلامي القومي البارز من ثورة الجزائر ومن ثورة فلسطين بل وموقفها غير العدائي في اكمله للثورة الناصرية وكذلك القائد الثاني الرشيد الطاهر
والذي كان أول إسلامي بارز يحل في ضيافة عبد الناصر علي الرغم من أجواء المجابهة بين عبد الناصر والأخوان المسلمين مما زاد عليه من غضب بعض إخوانه في السودان وأدت علاقاته مع مصر الناصرية مع ترسبات أخري إلي ابتعاده هو أيضا عن الحركة الإسلامية بعيد ثورة اكتوبر.
بابكر كرار والترابي
سبق بابكر كرار ومحمد يوسف محمد وآخرون إلي تأسيس حركة التحرير الإسلامي ثم جاء الدكتور الترابي إلي الجامعة بعد ما صقلته مشاعره الإسلامية بالجمعيات الدينية في حنتوب.. وكان حسن الترابي متميزاً بين أقرانه بثقافته الدينية العميقة ولحفظه لا جزاء كثيرة من القرآن الكريم وذلك بفضل تتلمذه علي والده الشيخ عبد الله الترابي أول قاض شرعي سوداني والذي لم يكتف بإرسال ابنه للتعليم الأميري بل أراد ان
يقوم بنفسه علي تعليمه القرآن وعلوم الدين وعلوم اللغة العربية. وكانت الحركة الناشئة في الجامعة تحتاج لمثل الترابي فقد كانت لا تزال آنذاك تتلمس فكرها الإسلامي في كتابات محمد حسين هيكل والعقاد بل وطه حسين في اسلامياته كان بابكر كرار يبحث عن شخص ينهض الجانب التربوي والأيدلوجي للحركة وكان مهتما للغاية بهذا الجانب ولذلك فقد نشأت علاقة خاصة بينه وبين حسن الترابي وقد سألته عن رفقائه القدامى فقال انه كان يشعر إن الترابي كان أذكاهم عقلاً واصفاهم نفساً وكان يري ان الترابي علي الرغم مما يبدو عليه من سمت المشيخية بسبب ثقافته الدينية ألا انه متحرر الفكر. وقد سالت الدكتور الترابي فيما بعد عن هذه العلاقة الخاصة مع بابكر كرار فاثبتها وحفظ حق الأستاذية للأستاذ بابكر كرار وحدثني
انه بالفعل كان محسوباً في التربويين لا في السياسيين ولقد رفض الترابي أن يترأس الاتحاد في العام 1953م وكانت المرة الأولى التي يكتسح فيها الإسلاميون الانتخابات ففرض بابكر كرار علي الرشيد الطاهر الذي كان صديقاً للحركة آنذاك أن يترأس الاتحاد فكان أول اتحاد للإسلاميين جاء علي رأسه الرشيد الطاهر الذي بحكم ظهوره في المنبر العام قد صار الاسم الألمع في أوساط الإسلاميين ثم صار الأمين العام للحركة (المراقب العام).
أما جعفر شيخ إدريس فلم يبرز إلا في النصف الثاني من العقد الخمسين والأخ الدكتور حسن مكي ذكره ضمن أولئك الذين حضروا مؤتمر العيد والذي تقرر علي أثره أن تحمل الحركة الإسلامية اسم الأخوان المسلمين. هذا المؤتمر الذي شهد انشقاق الأستاذ بابكر كرار وطائفة من مؤسسي
حركة التحرير الإسلامي عن الجماعة وتكوينهم لما عرف آنذاك بالجماعة الإسلامية. وعلي الرغم من ان الشكوك تحيط واقعة جعفر شيخ إدريس لمؤتمر العيد إلا أنه علي وجه القطع لم يكن إلا واحدا من صغار السن أولئك الذين اعترض بابكر كرار علي إشراكهم في المؤتمر لتغليب وجهة النظر التي تدعو إلي وصل حركة السودان بالإخوان المسلمين في مصر. وأما رأي الدكتور جعفر شيخ إدريس في الأستاذ بابكر كرار فتوضحه هذه القصة التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1982م عندما جاء الدكتور جعفر شيخ إدريس زائرا في إحدى زياراته التي كانت لا تنقطع لأمريكا وجاء زائر للإخوان بلدة كولومبيا في ولاية مزوري واتصل بالأخ الدكتور بشير آدم رحمة (والي ولاية غرب كردفان حاليا) لينزل عنده وكان الدكتور بشير
مشغولا بامتحانات الفصل الدراسي فعرضت عليه ان اذهب أنا لا ستقبال د. جعفر شيخ إدريس وأن أستضيفه نيابة عن الجالية الاخوانية في منزلي وذهبت بالفعل إلى مطار المدينة وفوجئ الدكتور جعفر بغياب بشير آدم رحمة وحضوري نيابة عنه ذلك أن اسمي المقرون باسم الدكتور الترابي (كنت سكرتيراً خاصاً بالترابي قبل حضوري لأمريكا) لم يكن محبوبا لديه وكنت في العام 1980م قد كتبت مقالة نارية في جريدة الأيام حملت فيها علي مؤتمر الدعوة والدعاة الذي انعقد بالخرطوم بمناسبة القرن الهجري الجديد وقلت ان هذا النمط من الدعاة ذوي العقلية السلفية المحافظة والذين رفضوا حضور أية امرأة للمؤتمر هؤلاء لا يمثلون المستقبل بل يمثلون الماضي الذي نحاول الفكاك منه إلي مستقبل ناهض للإسلام وقد حملت المقالة عبارات
نارية وقد خطب جعفر شيخ إدريس في مسجد فيصل وهاجم كاتب المقالة (العبد المذنب) وزعم إن هذه المقالة لم يكتبها هذا الشاب اليافع (يقصد الترابي) ثم انه صور هذه المقالة وأشاعها في أوساط المؤتمرين وسعي بها في محافل السلفيين زاعماً أن هذا هو رأي الترابي في الدعوة والدعاة. ولا اكتم سراً أن قلت أنى كنت حانقاً علي د. جعفر بغياب بشير آدم رحمة وحضوري نيابة عنه ثم بحلوله (علي الرغم منه) ضيفاً علي داري التي تتحلى القاعة الرئيسية فيها بصورة مكبرة للدكتور الترابي..
|
|
نزل الدكتور عزيزاً مكرماً في داري في مدينة كولومبيا مزوري بالولايات المتحدة الأمريكية، كان ذلك في العام 1983م وبعد أن تجاذبنا أطراف الحديث المستعصي كان أول ما ابتدر به الحديث إن القاديانية قد اثروا علي فكر الحركات الإسلامية بأكثر مما نتوقع واخبرني انه يعد بحثا حول ذلك وطلب مني أن أساعده في تجميع المواد من كتب القاديانيه واشتغلنا فعلا بذلك الأمر فكنا نقترض الكتب من المكتبة لتصوير الصفحات التي يطلبها الدكتور ثم انه وعلي الرغم من اطلاعه علي خصوصية العلاقة بيني وبين الدكتور الترابي لم يطق أن يصبر علي ذم الرجل الذي كانت صورته المكبرة تطل علينا في الصالة الكبرى في منزلي الصغير..
بدأ الكلام بالقول ان ترجمة يوسف علي للقرآن ترجمة جيدة من حيث اللغة وسبك
التعبيرات ولكنها مليئة بالتفسيرات الخاطئة والاعتقادات الباطلة ذلك ان يوسف علي (في زعمه) قادياني ثم انه قال لي ان بابكر كرار والذي كان من أهم مؤسسي الحركة الإسلامية بالسودان كان قارئاً نهما وقد تأثر كثيرا بأفكار يوسف علي ثم ما لبث ان قال ان حسن الترابي كان يتتلمذ علي بابكر كرار وقد تأثر كثيراُ ببابكر كرار ولم اكن غبيا ولذلك لم أتأخر في استحضار المعادلة المطلوبة
يوسف علي = الفكر القادياني
بابكر كرار اخذ عن يوسف علي
إذا بابكر كرار = يوسف علي = الفكر القادياني
الترابي اخذ عن بابكر كرار
إذا الترابي = بابكر كرار= يوسف علي = الفكر القادياني..
ابتسمت وأنا احدث نفسي ( ان هذا الرجل لا يستطيع ان يصبر علي ذم الترابي طرفة عين)
قلت له أنا تحاورت كثيراً مع بابكر كرار فلم المس نزعة بدعية في أفكاره واحسبني اطلعت شيئاً ما علي أفكار القاديانية ولا أجد أفكار بابكر كرار تلتقي معها في أي جانب من الجوانب، قال لي بثقة المعلم المجرب للتلميذ البليد: عليك ان تقرأ المزيد في أفكار القاديانيه. أسوق هذه الذكريات التي قد ينكرها الرجل علي الرغم من وجود الشهود الأحياء المقيمين في الخرطوم الآن لا لشيء إلا للتدليل علي استعداد الرجل للخوض في كل ماء آسن للوصول إلي ذم الدكتور الترابي، فبابكر الذي يتهمه الدكتور جعفر بأنه آثر بفكره القادياني علي الترابي فأورثه هذه النزعة القاديانية المتصالحة مع الفكر الكنسي التنصيري بابكر كرار هذا فوق كونه المؤسس للحركة الإسلامية كان صديقاً لجعفر شيخ إدريس بل بابكر كرار هو الذي
أوصل جعفر شيخ إدريس لفاروق حمد الله ثم النميري (الذي يزعم جعفر انه قد طلب منه ان يفارق الشيوعيين) علي الرغم من أن جهوده في المصالحة لم تكن تستثني لقاء مع عبد الخالق محجوب بترتيب من بابكر كرار ولعل صلة بابكر هذه التي جعلت جعفر خارج قائمة الأخوان الذين كانوا أول من شرف زنزانات سجن كوبر علي عهد مايو الأول ولما كنت اعرف كل ذلك من خلال توثيقنا لتاريخ الحركة من مقابلات مع قيادات الأخوان ومع الأستاذ بابكر كرار فقد عجبت ان يتطرق جعفر شيخ إدريس لذكري بابكر كرار بسيئ التهمة لينال من الترابي نيلا يخمد به بعض اللهيب المتأجج.
ما جلس د. جعفر شيخ إدريس مجلسا إلا كان الترابي مذكوراً بلسان الذم في ذلك المجلس وهو يردد دائماً انه لا يحمل للرجل ضغنا ولا كراهية ولكنها الغيرة
علي الحق والموجدة علي الباطل، ولكن القارئ العادي، لن يفوته ما في العبارات من مختزن الغل القديم وما من شاهد من شهود تاريخ الحركة الإسلامية إلا ويشهد بأنه ما استجر صراع ولا اشتعل خلاف داخل الحركة الإسلامية يستهدف قيادة الدكتور الترابي إلا كان الدكتور جعفر شيخ إدريس هو النافخ لكيره وكانت معركته الأولى بعد مجيء الدكتور الترابي فأرسل برقية يعترض علي زعامة الترابي للجبهة الوليدة (جبهة الميثاق) ولكن الترابي انتخب بالإجماع لرئاسة الجبهة في نوفمبر ولم يكن يوجد له منافس آنذاك وكان اقرب الناس للمنافسة الشهيد محمد صالح عمر والذي شارك د. الترابي في إشعال نار ثورة اكتوبر إلا ان محمد صالح عمر لم يكن رجل سياسة وكان يؤثر المنهج التربوي علي العمل السياسي العام.
الشهيد محمد
صالح عمر وثنائية القيادة:
جاء جعفر شيخ إدريس من لندن ولم يقبل الانضمام للمكتب التنفيذي الذي يقوده الترابي تحججا (العهدة علي الشيخ يس عمر الأمام) بعدم توفر السيارة والمكتب ولكنه رغما عن ذلك ظل يثير المشاكل للجبهة الوليدة من خلال تصريحاته في الكافتيريا ومن خلال لقاءاته بالإخوان زاعماً بأن جبهة الميثاق قد نقضت نسيح الحركة الإسلامية وان عملها السياسي يتقدم خصماً علي البناء التربوي وكانت هذه الحجة ذات تأثير لا سيما وان رجلا بوزن الشهيد محمد صالح عمر كان يقول بها.. وقد كان الشهيد محمد صالح عمر من أروع الناس وازهدهم في كل منصب علي الرغم من قبوله المنصب الوزاري في حكومة اكتوبر بعد عزم وتصميم الحركة علي ان يمثلها محمد صالح، كان محمد صالح عمر أستاذا للشريعة بكلية
القانون عابدا زاهداً جلداً صبوراً مقيماً علي ما استبان له من وجوه الحق وعلي الرغم من خلافه مع الدكتور الترابي في مسالة منهج الحركة هل الأولوية للحركة السياسية أم للتكوين التربوي فقد ظل كريماً في فعله عفيفاً في قوله وعندما اعتقلت قيادة الحركة عقب اندلاع مايو أرسل مؤكداً ولاءه لقيادة الحركة المعتقلة علي الرغم من وجوده في الأردن وهو يخوض الجهاد لتحرير فلسطين. كتب (أبو معاذ) وهو اسمه الحركي في الجهاد طالباً التعليمات وعندما وردت التعليمات لم يتوان لحظة واحدة في قيادة حركة جهادية انتهت باستشهاده مع الأمام الهادي في الجزيرة أبا 1970م ولم يذكر أحد من الناس محمد صالح عمر إلا بالخير لذلك فقد شهدت له في نفسي بالإيمان وقلت تأسيا بالرسول المصطفي e (وجبت) عندما اثني المؤمنون
علي جنازة مارة بالخير الكثير أي (وجبت له الجنة) بأذن الله.
كان وقوف محمد صالح عمر علي رأس المنادين بمنهج التكوين التربوي في مقابلة التعجيل بالعمل السياسي سببا في انقسام الرأي داخل الحركة بين هذا التيار وذلك التيار ولذلك لم يجد جعفر شيخ إدريس مشكلة في السباحة مع التيار الآخر علي الرغم من أن أحدا من الناس لا يذكر انه من دعاة المدرسية التربوية قبل تزعم الترابي لجبهة الميثاق بل ان المشهود المعلوم أن د. الدكتور الترابي هو الذي كان أمره من دعاة النهج التربوي اخبرني بذلك الأستاذ بابكر كرار وأكده لي الدكتور الترابي بنفسه ولعل خروج الترابي إلى بريطانيا ثم فرنسا قد فتح عيونه علي حجم التحدي المطروح أمام الإسلام والذي لا يصلح معه المنهج الصوفي التربوي الصبور بل يحتاج
إلى منهج التصدي والتفاعل السياسي.
ركب جعفر شيخ إدريس موجة الخلاف التي انتهت بالاتفاق علي ثنائية القيادة بحيث يتولى الترابي شان جبهة الميثاق الإسلامي ويتولي الشهيد محمد صالح عمر شأن جماعة الأخوان من حيث التكوين الفكري والتربوي ومضي الأمر علي وفاق لم يسعد به الرجل الآخر ذلك انه يري أن جبهة الميثاق كانت تتقدم من نجاح إلى نجاح اكبر وكان يري أن مشروعات التكوين التربوي تصادف نجاحاً مذكراً وان نجم الترابي ما خبأ ولا انطفأت وقدته ولذلك فقد تحرك بنشاط كبير لا سيما بعد سفر الشهيد محمد صالح عمر في فبراير 1969م للجهاد في فلسطين فتحرك تحت مظلة التنظيم للدعوة إلي مؤتمر لإنقاذ الحركة وبذل جهود محمومة لإثارة حنق الأخوان علي الترابي الذي أضاع الحركة بالتحالف مع قوي مشبوهة
(كما يزعم) وبإهماله للمسألة التربوية (كما يزعم) ولأبعاده قيادات الأخوان التاريخية (استغلت مسألة تغيير قيادة صحيفة الميثاق من صادق عبد الله إلي يس عمر الأمام وعبد الرحيم حمدي) وتم لجعفر شيخ إدريس ما أراد وانعقد المؤتمر ودخان الفتنة ينعقد فوق الرؤوس..
تحركت جبهة الميثاق الإسلامي بحركية واسعة تفوق حجم تمثيلها البرلماني وانفتحت الفرص أمامها بعد طرد الحزب الشيوعي من البرلمان وبعد انقسام حزب الأمة وخروج الصادق المهدي لمعارضة حكومة الائتلاف بين جناح الهادي والحزب الاتحادي والتي يقودها المحجوب ونشأ اثر ذلك تحالف القوي الجديدة الذي ضم جبهة الميثاق وحزب الأمة جناح الصادق وحزب سانو (وليم دينق) وكانت الجبهة اقدر الشركاء الثلاثة علي التخطيط والحركة مما أضفى عليها
ضوءاً إعلاميا كبيراً. بيد أنه وعلي الرغم من النجاحات المضطردة وعلي رأسها سعي الجبهة لتوحيد حزب الأمة علي ضؤ ميثاق لتحكيم الشريعة وما عقب ذلك من بيان لحزب الأمة جناح الهادي من ضرورة استكمال إصدار الدستور الإسلامي قبل نهاية العام (1969م) وقيام الانتخابات الرئاسية في العام (1970م) وقد كان لجبهة الميثاق الدور الأكبر في حث حزب الأمة علي التوحد في ظل البرنامج الإسلامي بيد أن هذا النجاح نفسه هو الذي أوعز بعض الصدور علي الجبهة، المجموعات اليسارية صنفت الجبهة في خانة اخطر الأعداء ومجموعات المعارضة الداخلية وعلي رأسها جعفر شيخ إدريس اعتبرت ان هذه الجهود تصب في بناء حزب الأمة علي حساب بناء الحركة الإسلامية وتحركت الجبهتان في آن واحد فاليسار كون تحالفاً لمقاومة إصدار
الدستور الإسلامي ورفض التوجه الرئاسي في الحكم وإعادة الشرعية للحزب الشيوعي وكان الشهيد محمد صالح عمر اكثر المحذرين من أن اليسار يدبراً أمرا لتعويق التحرك المتسارع نحو الإسلام ولذلك فقد دعا ثلة من الأخوان للانطلاق للجهاد معه في فلسطين لاعداد نواة للحركة الجهادية في السودان والتي كان يتوقع أن يأتي أوانها إذا ما إنقض اليسار علي الديمقراطية بمساندة عبد الناصر (وقد حدث ذلك باسرع من التوقعات جميعاً)..
أما جبهة المعارضة الداخلية فقد تحركت بحماسة متزايدة وبقائمة كبيرة من التهم التي تكال لأمين عام جبهة الميثاق.
1/ أولها تدمير حركة الأخوان المسلمين واستبدالها بإطار سياسي لا ينهض بالتكوين الثقافي ولا البناء التربوي وتمثل ذلك في موات التنظيم الداخلي وتقلص
الأسر وإهمال النشاط التربوي للحركة.
2/ ثانيا تسخير د. الترابي الحركة لمصلحة أصهاره في حزب الأمة ربما توطئة لالحاق الحركة بالحزب في مرحلة متقدمة.
3/ أفكار الترابي الشاذة لا سيما في قضية تحرير المرأة وتبنيه لاطروحات في هذا المجال لا يوافق عليها غالب الأخوان.
كان د. جعفر شيخ إدريس علي رأي هذا التحرك الذي انتهي بدعوة تبناها بعض أعضاء مجلس الشورى من المعارضين للترابي وذلك لانعقاد المؤتمر العام وقد بذلت جهود محمومة من قبل مجموعة المعارضين لتعبئة الأخوان ضد قيادة د. الترابي وكان الاقتراح ان تتقدم الجبهة بقيادة جديدة تولي الجانب التربوي والتنظيمي الداخلي جل عنايتها ولكن هذه المجموعة كما حدث (الشيخ إبراهيم السنوسي ) كانت تعلم ما يكنه الأخوان من تقدير
كبير للترابي ولذلك بنيت الخطة علي نسق خطة عمرو بن العاص لنزع علي بن أبى طالب وذلك بإثارة أجواء خلاف شديد داخل المؤتمر ثم الدعوة إلى تلافي الفتنة بإسناد الأمر إلي شخصية مرضية بين الطرفين وكان الاقتراح ان يسند الأمر إلي الأستاذ الصادق عبد الله عبد الماجد وذلك لأكثر من سبب.
صادق عبد الله الزعيم البديل:
كان الأستاذ صادق معروفاً ومقبولاً من غالب الأخوان وذلك لأسباب عديدة فالأخ صادق كان اجتماعيا من الطراز الأول وكانت تربطه صلة مباشرة بجل الأخوان وكانت داره مجمعاً للقاءات الأخوان واسمارهم، ومن جهة أخرى كانت المجموعة التي تدعو إلي علاقة أوثق بحركة الأخوان في مصر تري فيه الرجل الذي بإمكانه تحقيق ذلك بسبب انه واسع الصلات بإخوان مصر فقد درس الثانوية والجامعة
في مصر ثم أنه اخذ البيعة عن حسن البنا وهو يمثل الشرعية من هذا المنطلق (لمن يقولون بأن الشرعية في وجود المرشد في مصر والمراقب في السودان) ثم أن الصادق عبد الله كان من أهم الأسماء في أوساط مجموعة القيادة الجماعية قبل حضور دكتور الترابي للسودان وإلغاء نظام القيادة بالتناوب بعد حضوره ثم ان الصادق عبد الله كان زعيم المعارضة الإسلامية في البرلمان وذلك بعد إخفاق الترابي في دائرة المسيد وذلك عندما وقع التآمر الأول لإسقاطه" وقع تحريض عبد الرحمن النور حتى لا ينسحب للترابي علي الرغم من اتفاق التنسيق بين الجبهة وجناح الصادق وساندت كافة الأحزاب الأخرى شيخ مضوي محمد أحمد والذي لم تتقاعس عند استخدامه مواهبه الاتحادية للفوز علي (الدكتور) بكل طريقة ممكنة "..
كان صادق عبد
الله عبد الماجد زعيم المعارضة البرلمانية من الإسلاميين ولذلك قالت تلك المجموعة فمن الطبيعي أن يلي منصب الأمين العام للجبهة ذلك لكونه كما يقولون الناطق باسم الجبهة في البرلمان فلذلك لينطق باسمها خارج البرلمان لا سيما وانه ليس شخصية خلافية مثل الترابي. ثم ان طائفة من الأخوان مقدرة كانت تري ان أبعاد الصادق عن رئاسة تحرير جريدة الميثاق الإسلامي وإسنادها إلي يس عمر الأمام فيه ظلم لصادق الذي أسس الصحافة الإسلامية في كل مراحلها..
وهكذا كانت الخطة جيدة الحبكة وكان الزعيم البديل شخصاً مقبولا وكانوا يعلمون كراهية الإسلاميين عامة لأجواء الخلاف واستعداداتهم للعبور فوق هذه الأجواء من خلال شخص محايد بين أطراف الخلاف وكان جعفر شيخ إدريس الذي تولي كبر ذلك يعلم تماماً
انه سيكون الرجل الآخر خلف صادق عبد الله عبد الماجد وأنه لن يعجزه بعد أبعاد الترابي إذا بعد عن القيادة سوف يتصرف كما يتصرف الرشيد الطاهر الذي كان أمينا عاماً مفوضاً للحركة وخرج بعد اكتوبر ليكون الرجل الثاني بعد الترابي وعلي الرغم من الترضيات التي بذلت له ليرضي بهذا المقام (جعل زعيماً للمعارضة الإسلامية في البرلمان علي الرغم من وجود الترابي بالجمعية آنذاك وقبلها جعل وزيراً في حكومة الانتقال) كان جعفر يظن أن الترابي إذا أبعد سوف يذهب لحزب الأمة كما ذهب الرشيد للحزب الاتحادي متناسياً أن الترابي قد آثر الانتماء للإسلاميين عندما كان بوسعه أن يكون رئيسا لوزراء حكومة اكتوبر.
وانتظم المؤتمر العام للإخوان المسلمين في نادي أمد رمان الثقافي في أبريل 1969 وكما خطط له
ودبر فقد انعقد الاجتماع في أجواء من الخلاف الشديد وتضاؤل الثقة بين الفريقين وسط اتهامات متبادلة بالتآمر والتصَّيد في المياه العكرة وكان جعفر شيخ إدريس واثقاُ من الانتصار ولكن كان ما كان مما لم يكن في الحسبان.
إلتام شمل المؤتمر ليكتشف غالب الأعضاء ان المؤتمر إنما اعد أعداد لإحداث تغيير جذري في إستراتيجية الحركة وفي قيادتها فالجهات التي تولت الدعوة للمؤتمر هي المجموعة التي كانت تدير شأن التنظيم الداخلي منذ أن غادر الشهيد محمد صالح عمر إلي الأرض المحتلة مجاهداً وكان يدعو إلي الحيطة والحذر وأعداد العدة الجهادية لأن هنالك قوي محلية (الشيوعيون) وقوة إقليمية لا تقبل بما يجري في السودان سوف تعمل علي إبطال السعي نحو الدستور الإسلامي ولذلك فقد دعا محمد صالح عمر علي
إرسال كتائب الأخوان للجهاد في فلسطين لتنال قسطها من الجهاد في القضية الأولى للمسلمين ولتكون علي أهبة للدفاع عن السودان ضد الهجمة الشيوعية اليسارية المتوقعة وكان داخل المؤتمر مجموعة تري بذلك الرأي وتدعو إلي إعطاء الجهاد الأولوية القصوى في الاعتبار.. كانت المجموعة الثانية والتي نشط في أوساطها جعفر شيخ إدريس واستنفر شباباً من جامعة الخرطوم كانوا قد ابتدروا منهجا يرتكز أساسا علي حفظ القرآن وتزكية النفس ودراسة كتب السلفيين (أبن تيميه وأبن القيم الجوزية) وكان علي رأس هؤلاء جعفر ميرغني ولمع في أوساطهم احمد محجوب حاج نور. و مجموعة الجامعة ثم المجموعة (المصرية ) التي تدعو إلي مزيد ارتباط بالتنظيم المصري ثم مجموعة التربويين (دعاة منهج التربية أولا ولتؤجل السياسة الآن).
وجد هؤلاء الفرصة.وكان جعفر شيخ إدريس هو الناطق باسم هؤلاء جميعاً وحدثني أحد الحضور إن جعفرا قد رسم دائرة تنبثق عنها دائرة أخرى وتنبثق عن الدائرة دائرة ثم إن جعفر قال أن دائرة الأصل هي التربية ثم الفكر والثقافة ثم السياسة ولكن أحد الأخوان قاطعه وأنت يا جعفر أين أنت ؟؟ وهكذا كان يبدو لعدد غير قليل نوعية الدوافع التي تحرك جعفرا لتزعم مدرسة التربية علي كونه لم يكن في يوم من الأيام مؤهلاً لذلك ولا مهتما به. وقد اقترحت مجموعة المعارضة علي الصادق عبد الله عبد الماجد ان يتولى الأمر جميعاً (قيادة الجبهة والتنظيم والاخواني) ولكن الصادق اعتذر واعلن ان الترابي اكثر أهلية لذلك وطلب جعفر شيخ إدريس من جعفر ميرغني ان يبسط يده ويبايعه (كان جعفر ميرغني طالباً بالجامعة آنذاك)
ولكن الأخير لم يبسط يده للبيعة الجعفرية. وانفجر عبد الرحيم حمدي غاضباً معلنا عن المؤامرة المهيأة وأن ثمانية عشر عضوا في المؤتمر قد بيتوا أمرا هنالك انفرط عقد النظام في المؤتمر الذي كان يقوده مولانا دفع الله الحاج يوسف واختلط الحابل بالنابل وفجأة انطلق صوت جهوري يصدع بآيات من سورة (ق) كان ذلك يس عمر الأمام صمت الجميع واستمعوا إلي (قاف) كأنهم لم يسمعوها من قبل وانهمرت دموع كثيرة وعانق بعضهم البعض الآخر وانفضت الجلسة المائجة..
انعقدت الجلسة وقد هدأ الخلاف وتقرر أن تتوحد قيادة الحركة تحت رجل واحداً أيا كان ذلك الرجل. فجرت الانتخابات وحصل د. الترابي علي كل الأصوات عدا أربعة أصوات ذهبت لجعفر شيخ إدريس (لعل صوته واحد منها) وانفض ائتمار الأخوان بذهاب ريح المؤامرة
التي أريد لها ان تطيح بالترابي فإذا به تجمع له الرئاستان في سدة واحدة. الدكتور حسن مكي في كتابه حركة الأخوان المسلمين في السودان 1944 –1969 (في تتبع لمسار الخلاف ونتائجه اتضح ان الخلاف ما كان حول مبادئ بعينها وإنما كان الصراع يدور أساسا حول قيادة التنظيم، أي ذات فكرة (الغنائم) التي قسمت المسلمين في أحد وأدت إلي تنازعهم وفشلهم. لذا فما أن فازت الحركة –حركة الأخوان السودانية – بنصيب من السلطات حتى اطل الصراع ولعل التيار الذي كان علي قيادته جعفر شيخ إدريس، مالك بدري، عبد الرحمن رحمة ومحمد مدني سبال رأي أنه مهمش في التنظيم بعيد عن مكان صنع القرار وأن وضعه في التنظيم لا يتناسب وقدره وبلاءه لذلك فقد اختار أن يدخل في معركة ويغلفها بأنماط من المبادئ الفضفاضة بدلا من
المواجهة ببرنامج تغيير سياسي اجتماعي إسلامي.. وقد حاول هذا التيار في مؤتمر 1969 تقديم صادق عبد الله عبد الماجد كبديل يتفق عليه الأخوان بدلا من قيادة حسن الترابي ولكن صادق حسم الأمر برفض المبدأ ولذلك كان من الطبيعي أن يحسم المؤتمر الصراع لصالح عناصر المستقبل ذات القدرة علي التحليل والرؤية) انتهي كلام د. حسن مكي.
انفض المؤتمر وسادت شائعة قوية ان جعفر شيح إدريس قد استقال وأنه بصدد الانضمام للحزب الاتحادي وقد اضطر جعفر لإصدار بيان يؤكد فيه أنه لا ينوي التخلي عن الحركة الإسلامية ولكن في حقيقة الأمر فقد انتهي الأمر إلي تجميد طوعي لعضويته في الحركة الإسلامية والتي دخلت في أجواء معارك عاصفة بدأتها بحملة مكثفة علي النشاط الماسوني بالبلاد والذي بدأ يحرك حملة مضادة
ضد التوجهات الإسلامية بالسودان هذه التوجهات التي تبلورت في بيان الأحزاب الشهير في مايو 1969 والذي وقعت عليها الأحزاب السياسية بالبلاد داعية لاجازة دستور جديد إسلامي المعالم وأن يكون الحكم فيه رئاسياً.. وكانت رئاسية الحكم موضع إجماع من الأحزاب الكبرى التي تهيأت لانتخابات جديدة وفق الدستور الجديد في العام 1970 وكان حزب الأمة يهيئ نفسه للدخول للمعترك الانتخابي موحداً بعد مؤتمر أبريل 1969 الذي جعل رعاية الحزب من نصيب الأمام الهادي وأعطي الرئاسة للصادق المهدي وحلت المشاكل المعلقة بين الجناحين وكانت جبهة الميثاق اسعد الجبهات بهذا الوفاق داخل حزب الأمة لأنه أعطى دفعة قوية لمشروع الدستور الإسلامي إلا أن الأمر الذي اسعد رجال الجبهة قد اغضب رجال اليسار خارج وداخل القوات
المسلحة وكان هنالك شعور قوي يكتنف الجميع بأن البلاد مقبلة علي تغيير كبير سوف يستبق إجازة الدستور ففي تلك الفترة نشطت الدعوات الجهوية (حركة سوني – حركة جبال النوبة –حركة مؤتمر البجا، مؤتمر دار فور الخ) ولم يعد يخفي علي أحد ان هذه الأحزاب الجهوية بدأت التحرك في الجبهة العسكرية بعد ان كان عملها مقتصراً علي المجال السياسي.
من الناحية الأخرى كانت أحزاب اليسار شيوعية وقومية تتجرع المرارات فهزيمة العرب في الشرق الأوسط كانت تقتضي لملمة القوي الثورية من جديد وإجراء مراجعات كبيرة في الجغرافيا السياسية والوضع السياسي في المنطقة أما الحزب الشيوعي فقد خسر الحرب السياسية واصبح علي شفا خسران القضية الأيديولوجية بانتصار خيار الدستور الرئاسي الإسلامي والذي يمهد لسلطان حزب
الأمة الموحد المتحالف مع الجبهة الإسلامية التي تمددت في مجالات الطلاب والنقابات ونافست الحزب الشيوعي في الميادين التي لم يكن يجد فيها متحديا ولا منافساً. وكان مايو 1969 شهراً ملتهبا بالحرارة، حرارة الطقس اللاهب وحرارة المناخ السياسي الذي حفل بأحداث كبيرة جمة ولكن اكبر تلك الأحداث كلها اخذ زمانه أمسية الخامس والعشرين من الشهر اللاهب ليبدأ حقبة جديدة في التاريخ السياسي في السودان وفصلا جديداً من فصول العمل الإسلامي تبدأ أول أحداثه بقدوم د. الترابي ليكون أول سجين يضمه سجن كوبر بعد ان صكت الموسيقي العسكرية آذان أهل السودان مؤذنة بعهد جديد..
الحركة الإسلامية ونظام مايو:
جاءت مايو تكتلاً كاملاً لقوي اليسار في السودان وكان الحزب الشيوعي السوداني
أبرز هذه القوي وذلك لتمتعه بسند عدد من النقابات القوية وعلي رأسها نقابة السكة الحديد وتمتعه أيضا بأقوى تجمع عسكري موال داخل القوات المسلحة السودانية، بيد أن هذه الميزات لم تنتقص كثيراً من أهمية الدور الذي اضطلعت به القوي العروبية في النظام الجديد فالقائد السياسي للنظام الجديد كان الأستاذ بابكر عوض الله الذي جاء رئيساً للوزراء وكان يشغل من قبل ذلك منصب رئيس القضاء حتى استقال منه بسبب المسألة الدستورية المتعلقة (باحترام البرلمان للسلطة القضائية) وذلك في أعقاب رفض الجمعية التأسيسية تنفيذ الحكم القضائي الذي أصدره القاضي صلاح حسن لصالح النواب الشيوعيين بالجمعية التاسيسية. شغل بابكر عوض السوداني الأوحد الذي شغل الرئاسة للسلطات الثالث القضائية والتشريعية التنفيذية
وبهذه الخبرات وبالمساندة الدولية الآتية من كونه الرجل الأول الذي كان يحظى بمساندة القاهرة علي عهد عبد الناصر وبالتالي مساند النظم الثورية بالمنطقة علي الرغم مما يبدو من نفوذ ظاهر للحزب الشيوعي وما يبدو من ثقل ظاهرة للمؤسسة العسكرية الحاكمة ومما أعطى هذا الموقف قوة إضافية أن غالبية أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا ثوريين عروبيين اكثر منهم ماركسيين وقد اتضح فيما بعد في أزمة نوفمبر 1970 أن الأعضاء الملتزمين بالحزب الشيوعي في المجلس هم الأقلية بينما توزع بقية أعضاء المجلس إلى تيارات قومية ذات هوي قاهري أو بغدادي أو دمشقي وكان اشهر القاهريين بالمجلس خالد حسن عباس وكان حمد الله بغدادي الهوى ومامون دمشقي الهوى أو هكذا راج في أوساط السياسيين آنذاك أما رئيس المجلس جعفر
نميري فقد كان ثوريا يسارياً ولم تكن له صلة خاصة بأية جهة ما بيد أنه كان يتمتع بوضع قيادي داخل القوات المسلحة وفي أوساط ما عرف آنذاك بتكتل الضباط الأحرار(تكتل ضباط اليسار)..
الحركة الإسلامية لم تكن غائبة عن القوات المسلحة تماما ففي أوساط هذه المجموعات من الضباط كان هنالك عدد من المنعطفين تلقاء التيار الإسلامي ولكنهم كانوا أقلية لا يعينها المناخ السياسي والاجتماعي علي الظهور والحركة بيد أن الضباط الإسلاميين كانوا يرقبون ما يجري من تحرك نشط لتجمع قوي اليسار باتجاه الإطاحة بنظام الأحزاب القائم..
وقد نشر الأستاذ يس عمر الأمام مقالا نوه فيه إلي الحركة الدائبة في القوات المسلحة لتجميع قوي اليسار باتجاه الإطاحة بالنظام الديمقراطي وذكر أن هذه الجهود ينسقها
عقيد اسمه جعفر محمد نميري. وبعد نشر المقال تقدم جعفر محمد نميري بشكوى ضد صحيفة الميثاق الإسلامي وضد يس عمر الأمام وكان محامي جعفر نميري هو الأستاذ بابكر كرار المحامي. ولأعجب فالأستاذ بابكر كرار المحامي هو زميل الصف الدراسي لجعفر نميري في حنتوب الثانوية وقبول بابكر كرار للترافع عن جعفر نميري في مواجهة يس عمر الأمام كان يعكس المعسكرات السياسية في ذلك الوقت حيث كان بابكر كرار يصنف حزبه الاشتراكي الإسلامي داخل إطار القوي الثورية التقدمية في العالم العربي وكان يتمتع بعلاقات واسعة مع المثقفين العروبيين بينما كان يعتب علي إخوانه بالأمس في (حركة التحرر الإسلامي)موقفهم الموالي للقوي الرجعية (الأحزاب الطائفية) وموقفه المعادي لجمال عبد الناصر وصلاتهم الودودة مع الملك فيصل
الذي كان يحتضن القوي الإسلامية في المنطقة بل وانشأ لها منظمات دولية هي منظمة التضامن الإسلامي ثم الندوة العالمية للشباب الإسلامي وقد انعقدت المحكمة لأكثر من مرة لمحاكمة يس عمر الأمام الذي ادعي علي نميري العمل علي إسقاط النظام الديمقراطي وشهدت المحاكمة ملاسنات بين يس عمر الأمام وبابكر كرار بيد أن القضية ماتت تدريجياً مع انشغال نميري وضباطه الأحرار بتحقيق نبوءة يس عمر الأمام علي ارض الواقع. لذلك لم يكن عجيباً أن أول من وطئت رجله سجن كوبر ليجد رفيق كفاحه الإسلامي يدلف معه في ذات الوقت للسجن كان يس عمر الأمام..
ما بين يس عمر الأمام ومحمد صالح عمر
كان هناك اكثر من سيماء شبه بين يس عمر الأمام ومحمد صالح عمر بل وبابكر كرار فقد كان يس عمر الأمام ثورياً حامي
الأنفاس ولا يزال وكذلك كان محمد صالح عمر وبابكر كرار ولكن كل واحد من الرجال الثالثة كان ذا نكهة خاصة فبابكر كرار كان ميالاً للأيدلوجيا وكان عروبيا متطرفاً وكان اشتراكياً اكثر من دهاقنة الاشتراكية الماركسيين وكان بابكر كرار مترهباً في محراب العروبة والاشتراكية ولكنه كان يريد ذلك في قالب إسلامي ولعله أول من نادي بالدمج بين الدعوة للبعث العربي والبعث الإسلامي لأنهما وجهان لعملة واحدة هي نهضة الحوض العربي الإسلامي..
أما محمد صالح عمر فقد كان ثورياً إسلاميا آثرت ثقافته الشرعية العميقة علي رؤاه الفكرية فكانت فكرة الجهاد الإسلامي هي الفكرة المسيطرة علي سائر التوجهات لديه ولكنه كان يؤمن بدور عربي خاص في مشروع البعث الإسلامي وكان يري أن الجهاد الإسلامي سوف ينبثق
من قضية فلسطين وكان رأيه في هذا مطابقاً لرأي الأمام حسن البنا رحمه الله والذي كان يري إن الجهاد في فلسطين هو مفتاح البعث الإسلامي في كل مكان بيد أن محمد صالح عمر كان من دعاة التكوين التربوي الذي يركز علي بناء صف مخصوص ولم يكن من دعاة الحركة السياسية الواسعة التي لا ترتكز علي البناء التربوي المعمق للكوادر. أما يس عمر الأمام والذي بدأ ماركسيا ثورياً بإحساس قوي تجاه نصرة الفقراء المستضعفين وكان مدخله للحزب الشيوعي من هذا الباب فقد تحول بسبب نفوره من السلوك الاجتماعي غير المنضبط للشيوعيين وهو ابن أسرة دينة معروفة تحول للاتجاه الإسلامي ولكن بذات الأيدلوجية الاجتماعية ربما بذات المنهج الحركي الشيوعي ولذلك فلم يكن عجيباً أن يكون يس عمر الأمام أول متفرغ للعمل التنظيمي
فقد استقال من عمله أستاذا للرياضيات ليتفرغ لبناء الكادر الإسلامي في أم درمان ثم في مدينة عطبرة في أوساط عمال السكة الحديد وقد عاني بسبب ذلك الآمرين فلم يكن المجتمع السوداني بل المجتمع الحركي متفهما لمسألة التفرغ التنظيمي إلا أن يس صبر علي ذلك حتى صار هو وزميله توفيق طه من أعرق وأعتق المفرغين للعمل التنظيمي ونهضاً في ذلك السبيل بجهود هائلة وقاماً بإنجازات كبري لا يعلمها إلا القليل.. كان يس ثورياً اجتماعياً وكان عروبياً وكان هو الوجه الذي كان ولا يزال يمثل الحركة الإسلامية في الأوساط العربية ولذلك كان الرقم الأول في العلاقة مع ثورة الجزائر والرقم الأول في العلاقة مع الثورة الإريترية والرقم الأول في العلاقة مع الحركات الثورية الفلسطينية.. وكان يس هو الساعد الأيمن
للدكتور الترابي سياسياً وإعلامياً وعلي الرغم من أنه كان دائماً أقل صبراً علي مماحكات العمل السياسي وكان ميالا للتغيير الثوري علي حساب التغيير التراكمي وكان كافراً دائماً بمقدرة الأحزاب علي تطوير أنفسها ديمقراطيا ولكنه علي الرغم من كل ذلك فقد شكل السند الأقوى لاطروحات د,. الترابي السياسية بل والفكرية علي الرغم من كثرة تصريحاته بأنه لا يحسب نفسه في قبيلة أهل المثاقفة والفكر ولكن وقفة يس عمر الأمام إلي جانب الترابي في المحكات الكبرى مثل قضية المرأة مثل قضية المصالحة مع نظام النميري بما يمتلك من رصيد هائل من ثقة الأخوان به.. كان ذلك السند دعما لاطروحات الترابي قد لا يقدره الكثيرون حق قدره.. وقد ظل يس يأتي دائماً في المقام الثاني في كل انتخابات الأمين العام حيث كان
الأخوان يصممون أن تجري الانتخابات ولا يكتفي بالإجماع السكوتي وعندما قدمت الجبهة الإسلامية القومية علي عثمان نائباً للامين العام كان ذلك بدعم ومساندة من يس عمر الأمام وكان الجميع يرتكنون إلي حماسته في تقديم جيل جديد من القيادة ولولا تراجعه النبيل هذا عن مقعده بجوار الدكتور الترابي لما تقدم عليه أحد ولا قدم الأخوان علي أحد أبدا..
في المعتقل
كان ذلك مساء الاثنين 25 مايو عندما تحركت السيارات تحمل مجموعات من الإسلاميين إلي معتقل كوبر وكان علي رأس هؤلاء حسن الترابي ويس عمر الأمام وصادق عبد الله عبد الماجد، عبد الرحيم حمدي وكل الكوادر السرية من أمثال توفيق طه، عثمان عبد الوهاب وآخرين وفي اليوم التالي طالت القائمة الصف الثاني والثالث من الحركة حتى قيادات
الطلاب بالجامعة ولكن اسماً واحداً من القيادات لم يعتقل وكان ذلك جعفر شيخ إدريس والذي اختفي ليوم أو يومين ولكنه استطاع بمساعدة الأستاذ بابكر كرار ان يلتقي بجعفر نميري في خواتيم الأسبوع الأول من الثورة ثم التقي من بعد ذلك بفاروق حمد الله وزير الداخلية والذي كان يتردد في الأوساط السياسية أنه ماركسي ملتزم ولكن الأحداث أبانت فيما بعد أنه اشتراكي عروبي علي الرغم من مساهمته في انقلاب 19 يوليو الذي قاده الشيوعيون بعد عاميين فقط من الثورة والذي أسموه ثورة تصحيحية لتأسيس سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية.
جعفر شيخ إدريس زعم انه عندما التقي بالنميري طلب إليه أن ينقض تحالفه مع الشيوعيين وهذا زعم غير مستغرب من رجل منسوب إلي قيادات الحركة الإسلامية ولكن كل الظروف السائدة
آنذاك ثم مقابلة جعفر لفاروق حمد الله (وزير الداخلية آنذاك) لا تؤيد هذا الزعم..فأولا بابكر كرار الذي قاد جعفر لمقابلة جعفر لم يكن يستبعد الحزب الشيوعي من الجبهة التقدمية التي ينتسب إليها حزبه الاشتراكي الإسلامي ولم يكن رأيه السياسي مطابقاً لرأي جبهة الميثاق حول أسلوب التعامل مع الحزب الشيوعي السوداني وكان بابكر كرار يري ان الحزب الشيوعي السوداني قوة سياسية وفكرية مقدرة في أوساط المثقفين السودانيين وليس من الواقعية السياسية التعامل معه بأسلوب الأبعاد والإقصاء ثم ان الحزب الشيوعي السوداني تتبناه قوة عظمي هي القوة الراعية للتحالف التقدمي العربي وليس من العقل ان تغضب قوة سياسية ذات نظر إستراتيجي الاتحاد السوفيتي الذي كان لا يذكر اسمه آنذاك في العالم العربي إلا وتضاف
إليه كلمة (العظيم)، الاتحاد السوفيتي العظيم. وأكاد اقطع جازماً أن الأستاذ بابكر كرار ما كان ليصحب جعفر شيخ إدريس لمقابلة نميري ليحدثه هذا الأخير عن ضرورة استبعاد الحزب الشيوعي بل ما اذكره ان الأستاذ بابكر كرار كان يسعى إلي فتح حوار بين عبد الخالق محجوب وجبهة الميثاق التي كان الشيوعيون قد بداوا يضعون لها اعتبارا ويستشعرون خطرها بعد تحركها التكتيكي الخطير في إنشاء جبهة الأحزاب وتفتيت جبهة الهيئات بتكوين جبهة نقابات مضادة ثم بإشعالها للرأي العام المناوئ للشيوعية مما أدي إلي إجماع الأحزاب علي طرد النواب الشيوعيين من البرلمان وتحريم الشيوعية في السودان.
إذا لم يكن جعفر قد طلب فك الارتباط مع الحزب الشيوعي فما الذي قاله جعفر لجعفر. أذن
ارجح الاحتمالات أن يكون قد حدثه عن علاقته بالحركة الإسلامية (التي لم تكن علي ما يرام) ربما اخبره أنه لم يعد عضوا فيها وربما يكون قد أدان التحالف الرجعي بين الترابي والصادق المهدي وربما يكون قد اثني علي نموذج الإسلام الاشتراكي الذي يتبناه بابكر كرار، تبقي كل هذه مجرد احتمالات ولكن الحقيقة الماثلة تبقي ان جعفر شيخ إدريس الذي التقي نميري في أيام الثورة الأولى قد استبعد تماما من قائمة الاعتقالات ولم يعتقل ( إلا بعد اكثر من عامين ولذلك حديث آخر) ثم ان جعفر التقي بفاروق حمد الله الذي لم يكن كادراً فكرياً عسكرياً وكان وزيراً للداخلية ولماذا ياتري التقي جعفر شيخ إدريس بوزير داخلية انقلاب مايو؟ يمكن لجعفر أن يجيب علي هذا السؤال وسنحمل إجابته علي محمل الجد ولكننا علي أية
حال لن نقبلها إلا بعد التمحيص والاختبار ( فالرجل ليس من رواة البخاري علي أية حال)..
كانت الحركة الإسلامية تلتقي في السجن كهولا في أول سني الكهولة وشبابا في أول سني الشباب وكان جعفر شيخ إدريس، الذي كان فيما سبق حريصاً علي أن يكون درة كل محفل للإخوان، كان جعفر غائبا عن هذا الملتقي الاخواني وكان الأخوان في السجن إذا اجتمعوا تحدثوا في السياسة وإذا افترقوا انفردوا لتلاوة القرآن أو لمذاكرته ثنائياً..
وفي السجن كان حسن الترابي يعي الصورة جيداً وأول ملامح هذه الصورة ان مصر التي ظلت تضطلع بدور خفي وهام في السياسة السودانية عبر نفوذها علي بعض الأحزاب وعلاقاتها المرسومة مع بعض الأفراد والمؤسسات. مصر قد قررت أن تعيد ترتيب تحالفاتها في السودان فالتحالف السياسي
الرئيسي لمصر في السودان كان مع طائفة الختمية وحزبها (حزب الشعب الديمقراطي) أو عناصر هذه الطائفة وهذا الحزب إذا اندمج هذا الحزب فيما يسمي بالحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يجمع إلى اتباع الطائفة الوسطي لكن كان من الواضح أن مصر قد أثرت أن تستغني في تلك المرحلة عن تحالفها مع هؤلاء لتتعامل مباشرة مع القوي العروبية التقدمية التي يمثلها الناصريون والقوميون العرب بمختلف اتجاهاتهم القطرية وكان التحالف مع الحزب الشيوعي أيضا تمثله خصوصية العلاقة مع الاتحاد السوفيتي بين مصر بعد النكسة والاتحاد السوفيتي الذي بلغ من نفوذه إلي درجة أنه اصبح قوة استعمارية غير منظورة مما آثار حنق الوطنيين المصريين ودفع بالسادات إلي طرد الخبراء السوفيت بعد ثورته التصحيحية في مايو 1971 وتوجه نحو
الغرب بعد أن استيئس تماماً من نصرة سوفيتية تؤدي إلي استرجاع سيناء والكرامة المصرية..
كان حسن الترابي يعلم أن التحالف السياسي الذي يحكم السودان هو انعكاس للتحالف السياسي الأقوى في المنطقة العربية وأن السودان بضعف بنيته السياسية وضعف الوعي عند الطبقة السياسية بين حكامه قد اغري عبد الناصر بالسعي إلي تحويله إلي محمية مصرية مباشرة وكان عبد الناصر في أشد الحاجة إلي هذه المحمية المصرية ذلك أن السودان كان ولا يزال في أجنده الإستراتيجية المصرية هو عمق مصر (ربما مصر لست عمقاً لا حد).. كان عبد الناصر في اشد الحاجة إلي سودان مرتبط ارتباطاً التحامياً بمصر ذلك أن مقتضيات الأمن القومي المصري العسكري والتي تقتضي وجوداً عسكريا مصرياً مباشراً في السودان كل ذلك يقتضي تقوية
القبضة السياسية المصرية في السودان وكانت حكومة مايو الأولى هي التمثيل الصادق لما تريده مصر في السودان واثر الثورة تحول مطار وادي سيدنا لأهم مطار مصري وانتقلت قوات مصرية مقدرة إلي منطقة جبل الأولياء وفتحت نقاط مراقبة جوية وبريه في نقاط متفرقة من الحدود مع السودان لحماية العمق المصري والسد العالي والذي كانت تهدده حرب الاستنزاف..
كان الترابي يعلم تماما أن الأحزاب المتفرقة لا تمثل قوة يعتد بها في مواجهة هذا التحالف المحلي الإقليمي الدولي في السودان وقد تكون نفسه قد حدثته أن بعض المجموعات الموالية تماماً لمصر في الأحزاب قد تحدث نفسها بالاندماج في النظام الجديد بل أن عدم اعتقال الصادق المهدي وإجراء الأخير لحوارات مع النظام الجديد كان مؤشراً علي أن الصادق المهدي
نفسه لم يكن يستبعد الاندماج في النظام الجديد أو ليس هو داعية (الاشتراكية السندكالية)؟ ولكن كان هنالك رجل قوي يمكن الاعتماد علي التحالف معه وكان ذلك – إسماعيل الأزهري..
الزعيم إسماعيل الأزهري
بعض الأقلام بدأت مؤخراً التطاول علي الأزهري بزعم أنه قد خان قضية الوحدة مع مصر وأنه قد آثر طموحاته السياسية علي حلم الوحدة الكبير ولكن ذلك في جلية الأمر لم يكن كذلك فالأزهري كان يعلم أن هنالك فرقاً كبيراً بين أن تضم مصر للسودان وأن يتوحد السودان مع مصر وقد ظل إسماعيل الأزهري يرعي شعار الوحدة العربية والوحدة مع مصر أولا حتى آخر أيامه رغم المرارات التي استشعرها في آخر تلك الأيام.. وقد كانت قرارات الأزهري الحازمة الحاسمة هي أقوي العوامل التي عجلت بالتحول الجديد في
السودان فالأزهري كان عراب بيان الأحزاب الشهير في مايو والذي أوضح رأي الأحزاب الموقعة علي البيان حول الدستور في مايو والذي سعي لأن يكون إسلاميا وأن ينجز خلال ستة أشهر وحول نظام الحكم أن يكون رئاسياً وأن يكون هنالك نظام للحكم الإقليمي في السودان. هذا البيان الهام والذي رسم خطة الخطوات القادمة في السودان كان قاصمة الظهر للديمقراطية الثانية ولعل كثيراً من المراقبين استغربوا اعتقال رئيس الوزراء المحجوب في منزله واعتقال الصادق المهدي في منزله ولكن الأزهري اقتيد إلي السجن ذلك أن الرجل كان زعيماً كبيراً قمينا بتحريك القوي المضادة للثورة ولم يكن موقفه من التحول السياسي الجديد سلبياً كما كان موقف المحجوب الذي يئس من حزبه حزب الأمة الذي توحد في أبريل وكان متهيئاً لقسمة
السلطة بين الصادق المهدي والأمام الهادي كذلك لم يكن موقف الأزهري موقف المساوم الذي ظهر به الصادق المهدي.
كان الأزهري رافضاً للتغيير الجديد. وكانت الحركة الإسلامية تري في الأزهري ومجموعته الاتحادية حليفا منتظراً إلي جانب الأمام الهادي الذي استعصم بالجزيرة أبا ورفض في بيان شهير مشاركة الشيوعيين في حكم السودان.
كان الترابي يري أن علي الحركة الإسلامية أن تسعي لبناء جبهة مقاومة داخلية وخارجية وأن تشتمل هذه الجبهة علي جميع عناصر المقاومة سياسية وفكرية وجهادية وأن يعد لذلك عبر إنشاء جبهة وطنية بدأت نواتها في المملكة العربية السعودية بوجود الشريف الهندي وعثمان خالد وعدد من قادة الإسلاميين بالمملكة وكان محمد صالح عمر ينتقل بين لبنان والأردن والخليج بعد أن
ظل وقلة من الأخوان يشاركون في جهاد فلسطين وهكذا كان الأزهري بالداخل ومعه الترابي وكان الأمام الهادي بالجزيرة أبا وكان الهندي والإسلاميون بالمملكة وكانت عناصر المقاومة موجودة علي الرغم من عظم التحدي المطروح أمام مثل هذه المقاومة التي تريد أن تواجه تكتلا إقليميا دوليا لا يستهان به.
الحركة الإسلامية والمصادمة
كانت جبهة المعارضة للنظام المايوي في عامه الأول جبهة قويه. فلئن كان الميرغني قد أرسل مهنئاً ومباركاً كعادته وكان الصادق المهدي لا يزال يحاور ويساوم باحثا لنفسه عن مكان في النظام الجديد ووسيلته في ذلك الأمير نقد الله الذي كان وثيق الصلة بالحزب الشيوعي إلى درجة أن عبد الخالق محجوب قد رشحه لرئاسة وزارة حركة الحزب الشيوعي
التصحيحية في يوليو 1971م لئن كانت تلك المواقف للميرغني والصادق كذلك فقد كانت الجبهة الشعبية قوية وذلك بسبب الموقف القوي الصامد للأمام الهادي في الجزيرة أبا والتي تحولت وحتى غزوها وضربها بالطيران إلي قاعدة متقدمة للمعارضة خارج نفوذ الدولة المايوية الجديدة، كذلك كان وجود الأزهري بما يمثل من قيادة لتيار شعبي حضري كبير ضمانة أخرى ودليلا علي أن أرصدة المقاومة ليست قليلة وكذلك كان وجود الترابي وتصميمه علي المقاومة بما يمثل من ثقل في أوساط كافة المثقفين غير اليساريين تنويعاً لقاعدة المعارضة الشعبية التي مثل الأمام الهادي قاعدتها الريفية ومثل الأزهري قاعدتها الحضرية ومثل الترابي قاعدتها الصفوية المثقفة.وكان للمعارضة وجودها الخارجي القوي الممثل بالشريف حسين الهندي وعدد
من زعماء الأخوان والذين انشاوا علاقة بناءة مع المملكة العربية السعودية وضمنوا مساندتها القوية ذلك ان السعودية كانت تتخوف كثيراً من وجود نظام يساري يوالي مصر الناصرية والشيوعية العالمية. من ناحية أخرى فان وجود النظام الذي يرود خطاه الشيوعيون لم يزعج المملكة فحسب بل أزعج هيلاسلاسي والذي لم يتردد في إجراء تنسيق وثيق مع قوي المعارضة وبدأت بعض طلائع المعارضين تتجمع في معسكر للتدريب علي السلاح في أثيوبيا.
كان النظام المايوي قوياً ومسنودا بحلف إقليمي ودولي لا يستهان بأمره ولكن المعارضة كانت قادرة علي أن تشكل تحدياً حقيقياً وقد وقع اتفاق غير مكتوب بين رموزها في الأمة والاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي علي أن تكون المعارضة سياسية لا تستبعد المواجهة العسكرية بل تعد
لاحتمالات المواجهة مبكراً.. كان محمد صالح عمر ابرز رموز جبهة الميثاق خارج السودان عندما اندلع الانقلاب المايوي وقد كان محمد صالح عمر يتوقع تآمراً يسارياً علي مشروع الدستور وقد كتب وخطب محذراً مراراً من خطر الركون تماماً إلي اللعبة السياسية دون إعداد العدة لجولة جهادية مع الباطل الشيوعي ولم تكن دعوة محمد صالح عمر تجد معارضة في أوساط الأخوان ولكنها أيضا لم تحظى بالاهتمام الكافي فلم يستطع أن يقنع إلا ثلة قليلة من شباب الأخوان بالانطلاق إلي المعسكرات الفلسطينية في لبنان والأردن جهاداً في سبيل القدس واستعدادا للجهاد في جولة قادمة في السودان..
الترابي والموازنة بين الدعوة والقوة:
لم تكن الفكرة التي نادي بها محمد صالح عمر بغريبة علي المرجعية الفكرية
الإسلامية فالإسلاميون جميعاً يعلمون أن من واجبهم دعوة الناس إلي الله وإلي سبل الخير بالحسنى فان أبى الناس صبروا عليهم وصابروا ورابطوا في موقف الدعوة فان قاومهم الناس بالسلاح فقد أذن لهم بالقتال وان شعروا بريح المؤامرة ونذرها تتجمع في الأفق فعليهم إعداد العدة للجهاد مع عدم المباداة به، ولكن الأخوان اختلفوا في تقدير الموقف هل هنالك في الأفق نذر مؤامرة حتى يصرفوا جزءا من جهدهم وشبابهم للاستعداد العسكري لها أن سفينة الديمقراطية تمخر طريقها في أمواج غير هادئة ولكنها غير خطيرة. كان هنالك متشائمون يحثون علي التعجيل بالاستعداد وكان هنالك متفائلون يرون ان تصرف الجبهة جهدها في تصعيد عملها السياسي. وكان الترابي ولا يزال مع نظرية أولوية العمل السياسي مع الجاهزية التامة لأية
طوارئ قد تطرأ ولذلك فقد وافق الترابي علي تفويج مجموعات من الأخوان للجهاد والتدريب في معسكر الزرقاء وفي المعسكرات اللبنانية وكان محمد صالح عمر صلة الوصل في هذا بالتنسيق مع مجموعة من مجاهدي حركة الأخوان المسلمين وعلي رأسهم الشهيد صلاح حسن والذي استشهد في عملية اختراق لشمال إسرائيل من لبنان بعد أن قام بالتغطية لانسحاب المجموعة علي الرغم من كونه قائد المجموعة وقائد المعسكر. وكانت هذه الأفواج التي بدأت قبل الانقلاب المايوي بأشهر واستمرت بعد ضرب الجزيرة لتأخذ وجهة أخري إلي أثيوبيا ثم ليبيا وكان جل هؤلاء الشباب من خريجي وطلاب الجامعات وقد شارك العشرات منهم في غزو الخرطوم في 2 يوليو 1976م واستشهدت منهم مجموعة تقارب العشرين شهيداً في تلك الأحداث منهم حسن سليمان مسعود
وعبد الإله خوجلي وعبد الله ميرغني وحسن عوض الله وعبد الفضيل إبراهيم وآخرون، وكان من قيادتهم مهدي إبراهيم والذي شارك في الجهاد منذ بداياته الأولى في المعسكرات الفلسطينية ثم في الجزيرة أبا وحكم عليه بالإعدام غيابياً، وكان من قيادات الشباب أيضا الدكتور غازي صلاح الدين والذي قاد عملية دار الهاتف وخرج لإجراء بعض الاتصالات مع المواقع الأخرى قبل أن تحاصر قوات الجيش الموقع وتشتبك مع المجموعة في معركة فاصلة.ولقد ظلت فكرة الموازنة بين الدعوة بالحسنى والردع بالقوة هي الفكرة التي حكمت مسار تطور الحركة الإسلامية في السودان بازاء أفكار غامضة كان يطرحها جعفر شيخ إدريس الذي عارض تفويج الأخوان للجهاد وقام بحملات تخذيل واسعة للمغادرين عبر المملكة حتى
يلتحقوا بإخوانهم الذين سبقوهم إلي معسكرات (الكفرة) في ليبيا.
جعفر شيخ إدريس يؤسس حزباً
بعد خروجه من السودان والأجواء كانت كما تقدم الوصف كان هم جعفر الأساسي هو تجاوز القيادة المعتقلة وتأسيس حزب جديد يرث قاعدة جبهة الميثاق ولعله ظن أن المقام سيطول جداً بالترابي وصحبه داخل السجون ولذلك فقد اجتهد بالتحالف مع المجموعة التي ظلت دائماً تشكك في مشروعية قيادة مستقلة للحركة في السودان وتنادي بأن تكون الحركة فرعاً لأصل الحركة في مصر. ذلك أن حركة الأخوان كما يقولون ليست حركة وطنية تأسس لها قيادة في كل قطر بل هي حركة إسلامية أممية تقودها قيادة ملهمة باسم المرشد في مصر ومكتب الإرشاد المصري والمرشد هو وحده الحفيظ علي الحركة وهو الذي يختار مراقباً للإخوان
المسلمين في كل قطر من أقطار المسلمين بعد ان يأخذ عليه البيعة بالطاعة للمرشد في المنشط والمكره وقد رفضت الحركة الإسلامية في السودان هذه الفكرة ودعت إلي خيار التنسيق بين الحركات الإسلامية في أمور الدعوة والثقافة وأن تترك أمور القيادة والسياسة لأهل كل قطر يديرونها وفق الظروف والأحوال المتفاوته بين بلد وبلد فذلك اقرب للواقعية السياسية ولئلا تتحول الحركة الإسلامية إلي حركة مقاومة سرية عبر العالم تاثراً بتجربة الأخوان في مصر علي الرغم من كون الأولى في حقها أن تكون حركة دعوة علنية مفتوحة الصف لمن يلتحق بها ولو كان من أعدائها بالأمس..
كانت هذه نقطة خلاف جوهرية بين الحركة في السودان وقيادة الأخوان في مصر ولعلها لا تزال ولذلك فقد وجدت جهود جعفر شيخ إدريس لبناء
تنظيم أخواني يرث جبهة الميثاق الإسلامي تعاطفاً من حركة الأخوان والتي كانت آنذاك تتحرك من المنفي خارج مصر. وكان لا بد لجعفر شيخ إدريس لكي ينجح في مسعاه لتأسيس حركة جديدة من كسب تأييد محمد صالح عمر فأتصل بمحمد صالح عمر عارضاً عليه أن يقوماً سوياً بإعادة تأسيس الأخوان في السودان علي القاعدة الصحيحة ولكن محمد صالح كان له موقف آخر..يريدون لظله أن يزول...!
رجوع ( علي عبد الله يعقوب يعقوب)